هناك تجارب إنسانية تُغيِّر الفرد لأنه يفكر فيها .. وهناك تجارب أخرى تُغيِّره لأنه يعيشها ..
الزيارة الأربعينية تنتمي إلى النوع الثاني .
فهي ليست انتقالًا من مكان إلى آخر بل انتقال تدريجي من مركزية الذات إلى مركزية القيمة .
في علم النفس يمكن النظر إلى هذه الظاهرة بوصفها إعادة تنظيم للبناء المعرفي للفرد : إذ تبدأ الأولويات الشخصية بالتراجع أمام منظومة أوسع تقوم على العطاء والانتماء والهدف المشترك .
ومع استمرار السير ( نحو سيد الشهداء ) تتشكل لدى الإنسان حالة من الانسجام بين معتقداته وسلوكه فينخفض الصراع الداخلي وتزداد مشاعر الرضا والسكينة .. لأن ما يؤمن به أصبح يمارسه بصورة واقعية .
ومن منظور تربوي فإن الطريق ( طريق كربلاء ) نفسه يتحول إلى بيئة تعليمية مفتوحة لا تعتمد على المحاضرات أو التعليم المباشر وإنما على الخبرة المعيشة .
فالزائر يتعلم من المواقف أكثر مما يتعلم من الكلمات ويعيد بناء مفاهيمه عن التعاون والاحترام والمسؤولية من خلال آلاف الممارسات اليومية التي يشاهدها ويشارك فيها .
وهنا تظهر قيمة التعلم الضمني إذ تنتقل القيم إلى السلوك دون أن يشعر الفرد بأنه يتلقى درسًا فتكون أكثر رسوخًا واستمرارًا .
ويمكن اقتراح ما يمكن تسميته بـ ( نظرية الاندماج القيمي التدريجي ) وهي رؤية تحليلية ترى أن الإنسان كلما اندمج في بيئة يغلب عليها سلوك أخلاقي موحد ولمدة زمنية متواصلة تبدأ منظومته النفسية بإعادة ترتيب أولوياتها تلقائيًا فتضعف النزعة الفردية ويقوى الشعور بالمسؤولية الجماعية ويصبح السلوك الإيجابي أقل اعتمادًا على الرقابة الخارجية وأكثر ارتباطًا بالرقابة الذاتية . وفي الزيارة الأربعينية يتكرر هذا الاندماج بصورة مكثفة من خلال التفاعل المستمر مع ملايين الأشخاص الذين يجمعهم هدف وقيمة واحدة فتتشكل لدى الفرد هوية أخلاقية أكثر ثباتًا حتى بعد انتهاء الزيارة .
إن الأثر الحقيقي للأربعينية لا يقاس بعدد الخطوات التي يقطعها الزائر وإنما بعدد القيم التي تعود معه إلى حياته اليومية . فكل زيارة تنجح في تحويل الصبر إلى أسلوب حياة والإيثار إلى عادة والانتماء إلى مسؤولية تكون قد حققت وظيفة نفسية وتربوية عميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان وتؤكد أن بناء الإنسان يبدأ من بناء المعنى الذي يعيش من أجله .

